الرئيسية > أدب > مخيّم “اللي رَموك”
لوحة للفنان سمير فؤاد
لوحة للفنان سمير فؤاد

مخيّم “اللي رَموك”

بخير يا مناديل دموعي؟ أيتها الأمنيات التي تُصنع في إبريق مارد. كيفَ غيابك الغاشم يا حسنة القوام، كيف حالها قبلتي الأخيرة على سفوح شعرك يا سراطي المحكم، أيتها النجدة، كيف يُمسي جمالك المعتد دون إحداث اختلال في سرحاني الهامد! مبروكٌ على الصباح المرزوق برؤيتك، وصفعاتٌ كثيرة على وجنتي العصر بوصلة ضياعي، حيث ولعكِ في قيلولة الهرب من زوابع أفكارك الرعدية. 

تحدث الأشياء على حين غرّة، البارحة قضمت رصاصة ملؤها الكيد معصم عمي الثابتُ صمتهُ النائم على وجه المخيم.. رصيفهُ، أمام المنزل الراسخ ضجيج موسيقاه في أذهان الجدران، وقبل مدة أنجبت فريدة سيلاً من الدموع، أفتكَّ الأثير إذاً، جاء رائد، استيقظت على خبر بزوغ بكائه المؤكد، جاء رائد وجلست أتقد كنار جائعة، ماذا وكيف والحرب تسحق المحزون والضجران والطفل البهيج! جلست أتخيل تأوّه الصبيّ حين يعرف أنه من بلاد كتلك، لست أدري كيف تحدث الأشياء غريبة السرعة، منذ أيام أيضاً، كبر موت أبي، وتعلمت كيف العزف على وتر البكاء الصامت، كيف تأكل أذناي لحناً مبللا بالدموع.

حرقوا المخيم أيضاً، مستعجلين جعلوا خطا أقدامنا فتاتا ورشوا الجمر غير مكترثين، كيف! في الصبح مخلوعٌ استيقظت من شعور حكة شديدة في أسفل قدمي، لم أتعرف على السبب إلّا حين شاهدت في نشرة الأخبار رجلا قويا يبكي الحرب، صرخ يقول “حرقوا المخيم حرق” تلك خطانا إذاً، أرسلت رسالة لصديقٍ أعرفه. “البارحة احترقت قدماي، هات علاجا لحروق الجلد الملتهب وتعالَ بسرعة”.
 
في الحزن على المدن البعيدة لا فرق بين أن تغرف إبهامك المشلول في لهب النار وتدخلهُ في عينك اليسرى بكل جهامة وشدّة، وبين أن تمرر الإبهام هو ذاته، لتضع “لايك” على صورة للمدينة ملؤها الظلام المفترس، نوافذُ ملقاة أيضاً عليها آثارُ أصابع سارقي غيابك، وجرح مكدّس أسفل الصورة، أرأيت؟.. في الحزن على الحي البعيد عليك أن تُعنّف اكتئابك وتنهر الفجيعة، اجعلهُ مأتماً يليقُ بحضرة المخيم، البارحة عذّبتُ دمعي، عصرتُ عيني، وركضت إلى المطبخ، أعدت التجربة وهذه المرة من تحت وجهي مقلاة صغيرة، كي أحصر حركة الدمع أثناء القلي مع الزيت الحار. في الحزن على المدن البعيدة، إياك أن تجلس مهذّبا، عليك أن تتعذب، في الحزن على المخيم مثلاً، تخّيل أن تستجدي الحزن فلا تستطيع؟ انهض وسلّم ركبتيك لأقرب جدار في الحي، قُل له “يوم الصدقة العالمي، جئتُ أتبرع بحزني للقطط، وفرمتُ كفّي، أكمل أنت المهمة واستأصل ما تبقى من ساعدي، خُذ ركبتي”. ثم امش على عجل وسلّم رأسك لأسوأ الحلاقين سمعةً في الحي، قل له: “أريد قصّةً جديدة لم تُر من قبل، انزع شعري من جذوره بيديك، لا تستعمل ماكينة الحلاقة هُنا، هاتها لغرض آخر” ودعهُ يُمررها بكل صلابة على جفنك وصولاً إلى الرموش، دعه يفلح وجهك كمزارع غضبان من موسم حصاد شحيح. شرط ألا تصرخ، هذا العذاب يليق بحضرة الأحياء المنكوبة. صدقني.

أثناء خوفك على المدن البعيدة، هات الأسى من أكثر المشاهد رومانسية على الإطلاق، اخترع همّاً من قرص جبنة، أهلِك البقال، دعه يستيقظ في الليل لكي يُجري اتصالاً مع حرّاس أحد المصانع الساهرين يشكي فيه نقصاً حاداً في المناديل الورقية، أحضر الجار الإسباني وأنت مستاء، وابك، أَبكه أيضاً، قل له برزت مخالب حادة من خيالك وجرِحَ عُنقك في الليل، اسأله كيف تتخلص من عضة ذئب على كتفك الأوحد، قل له الثاني فرمته قذيفة كالوحش، اكشف عن بطنك، ودعهُ يتحسس، هنا لا هنا رصاصةٌ نائمة عجز الأطباء عن استخراجها. أعطه صورا قديمة للمخيم، واسرد حكايا شارع صفد، اضحك كمجنون فرّ للتو حرٌ من أسوار دار المهزومين، أخبره، في لوبية تجري آذاننا خلف حناجر المطربين، في السابعة إلّا ربع تمشط فيروز الشوارع، تبتلّ الأرصفة، نضحك على مهل في الصباح، ويأتي الليل على عجل. أضحكه مرة، قل له: “شيّدت حائطاً خدّاعا وحفرتُ فيه حفرة يقول عنها جدي كافرة، حفرة كعين الباب أسترق النظر من خلالها على صبايا المخيم وهن يتجهزن لحفلة نميمة طويلة خير من ألف شهر”.

في حزنك على المدن البعيدة، اذهب لأقرب سينما، اجلس بجانب فتاة تتهيأ لقبلتها الأولى، انتظر قليلاً وحين يأتي الشاب ممتلئاً بالنشوة، أخرج من جيبك مجزرة صغيرة، مفتاح بيت جدك في المخيم، دعه يسلتُ من يديك بالقرب من قبلتهما، ثم اطلب من الشاب: “عفواً، أبحث عن ملحمة شعريّة سقطت مني سهواً، ربما تجدها تحت أقدام حبيبتك” واهرب..

في الحزن على المدن اذهب لأقرب صالة أفراح، اختر الطاولة الأخيرة، واجمع صديقات العروس من حولك، اطلب شمعةً واحرق أصابعك لامبالياً واضحك، انظر للمشهد بسخرية، ثم للفتيات اللواتي سيندهشن من شجاعتك حتماً، أو سيسخرن من غلاظة ذهنك، قُل لهنّ بنبرةٍ حنونة، أرجوك بطريقةٍ لا تشبهُ المشهد، نبرة ترتجف، تخيّل معي حنجرتك المخيم، والحنين إليه قذائفٌ عنيفة، في الحديث عنه، سيرتجف صوتك رغماً عنك، أطفئ الشمعة، انفخ على أصابعك، طهّر أصابعك، وشهّد بخمسة منها، أو اجعل العشرة تشهد “أشهد أنَّ لا مدرسة علمتني ما علمه المخيم، وأشهد أنه لا عذابَ أبرحُ من ذهابِه” ومُتّ.

 

حول جمانه دحمان

https://www.yarmoukcamp.net/wp-content/uploads/2018/12/favIcon.jpg
جمانه دحمان كاتبة ومدونة فلسطينية سورية من مخيم اليرموك لها مشاركات في عدة صحف ولها عدة نصوص ادبية مقيمة حالياً في فرنسا

شاهد أيضاً

لاجئ المواصفات القياسيّة-إياد حياتلة

أنا اللاجئ المتسلسل، المتكرّر التشرّد والهجرات، المتنوّع أماكن النزوح، المتعدّد الهويّات المتآلفة المتناقضة، خَطوتُ الخطوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *