الرئيسية > أدب > اليرموك اشتقلك يا عمري..

اليرموك اشتقلك يا عمري..

 

أمرّ بالقربِ من “فرن حمدان” في مخيمِ اليرموك فتشهق الورود في صدري، ما زلت أشتم رائحة عجينةِ الفرن وهي تَضُوع منفردةً عن كل الروائح حولها الزكية منها و”الغبية”. تهديني قدمايَ إلى شارعِ “الخمسطعش” بيتي الحنون هناك. فيهب قلبي مثلَ وقودٍ لا يصبرُ على الاشتعال. أتذكركِ وأسير على خطاكِ، أبكي مثل مجنونٍ وأتماهى بذاكرةِ خطواتكِ التي تأخذ الطرقَ نحو دورانٍ يجفف ماء هذه الأرض. كأنني \\أنا أنتِ آتٍ إليَ وأبكي، ذاهبٌ إلي بكِ وأنا أنتظرني هناكَ وليس للوقتِ أن يسعفَ خطواتي نحوي – نحوك.\\
إلى الآن تمسكين بقلبي! كأن المخيم شاهدٌ على جنةٍ في نار لهفتنا. يحرسنا من عيون الكونِ يلفنا مثلَ شالٍ من حريرٍ ونمضي في لحمنا دون خوفٍ من غدٍ أحمق. كلما نقرتي على بابي الحزين قرع لنا اليرموكَ الكؤوس ببعضها، بلا نشازٍ يخدشُ الأحياء.
ها أنتِ الآنَ تجتهدينَ في البعيد، لأجلِ هذا، صار المخيمُ بعدنا طفلاً شهيد.

هل لي أن أحبكِ بعد كل هذا الفراق؟! أنا الذي كنت أدرب رأسي على أصابعكِ ليهدأ من عنفوانه وقلقه، ثم أين أنتِ الآن؟ لقد دمروكِ كما دمروا المخيم، اغتصبوا تفاصيلكِ مثلما اغتصبوا تفاصيله ووضعوني في حبسٍ انفرادي، لقد أودعوني غريباً يا مليكتي وحبيبتي ودونيَّ ذلك الوطن المؤجل الذي كان يجب على المخيم أن ينجبه، ودونيّ ذلك الولد المؤجل الذي كنت سأنجبه منكِ. كأنما قصة حبنا هي قصة ذلك المكان وليس للزمن أي ارتباطٍ دونه، فما كان هناك بقي هناك تحت الردم إن شئتِ، بين الأنقاض، في غرفتي التي تحولت إلى مستودعٍ للذخيرة تلك الغرفة المملوءة بالجنسِ بكِ، صارت مستودعاً للذخيرة! وأي ذخيرةٍ غير تلك التي كنت تحملينها إليَّ حينما تفتحين بابي لتنفجري بي، فيا للشبه ويا للنكبة.

هذا الصباح لم أستيقظ تماماً: كنت هناك.. في لحظةٍ من انفصال الوعي، حيث يصبح سريري خفيفاً بي وينفصم المكان على الزمان، كان قلبيَّ يخفق تماماً مثل موعدنا الأول في منزلي، خدرٌ ينساب في دمي وابتسامةُ لا تفارق وجهكِ أراها الآن وأنتِ تصعدين سُلَّم البناء حيث سأترك لك الباب موارباً كي لا نثير نميمة أولئك الجيران المتطفلين “صائدي الفرح” كما كنت تَسِمينهم. تدخلين على رؤوس الأصابع، كم تليق بأصابعك هذه الكلمة :”رؤوس الأصابع”، أتذكرين ذلك الحديث المرتجل بيني وبين رؤوس أصابعك، بين شفاهي ورؤوس أصابعك، رؤوس أصابعي ورؤوس أصابعك، تلك الكهرباء التي كانت تدغدغك وأنت تصرخين “خلص” وتضحكين وتضحكين وتضحكين وأنا فرحانٌ فرحان لكأنيَّ سهلٌ مفتوحٌ على كل الجهات. هذا الصباح لم أستيقظ تماماً فقد كانت غرفتي مليئةً بالمخيم، عذبةً بكِ، حتى أن الموت كان يبدو لي شهياً … مثل قلبك الذي كنتِ تضعينه في فنجان قهوتي، هل تشمينَّ هذه الرائحة، ألا تغريكِ في أن تستيقظي قليلاً لكي أموت؟.

آهٍ أيتها السلطانة، هل تذكرينَ ذلك الخوف الذي انتابني وعيناكِ تذرعان روحي كمحراثٍ لئيم يحفرُ في قلبي البور، “سلطانة”، ذلك الهتاف الخائف الذي ناجيتكِ به وأنا أشعرُ أنكِ أكثرُ مما أستحق، أكثر مما أربح أو أفشل، أكثر من تربيتي وتعليمي وعملي ودونجوانيتي المبتذلة أمامك، أكثر من كل شيء. وأنا أسيرٌ لما أخاف، أسيرٌ لسؤالي قربَك: ” ماذا أفعل بكِ جميعاً؟”، مثلكِ يصلح لأن يكون مشاعاً وأنا شعبك الفقير والمكسور فلا تخذليني. ما زال قفطانك يهربُ بين أزقة المخيمِ الضيقة وأنا متشبثٌ بذيله، وبكلِ ما أوتيتُ من خيبةٍ أريد أن أصدقَ أنكِ لا زالتِ هنا … فلا أجد المخيم.

أحياناً أفكرُ!.. ربما لو كان ذلك الحقل حول عينيك أقل اخضراراً لما تركتُ الصحراء وانتقلت إلى مخيمِ اليرموك لكي أكون بقربك وأتفيأ بكِ، إذاً أنت مسؤولة عن تلك العقدة المزدوجة التي لا زالت تأكل نهاري وتأكلني في ليلى. هل حقاً أطلقوا النار عليكِ أم أنهم أطلقوا النار على المخيم، ثم لماذا أنا من عليه أن يموت الآن! وكيف يتسنى للموت أن يكونَ حبساً ودوامةً وروتيناً يومياً، بينما أنتِ وهو – أي اليرموك – تذهبون فرادى وأبد، فهل أحبكِ أم أحبه، أحقد عليكِ أم عليه؟

أنقذيني…. فكل شيءٍ يتناقص من حولي إلاكِ وإلاه! تزدادين ويزداد، وأنقصُ وتزدادين ويزداد. وأنقص. تزدادين. وأنقصُ يزداد، فيالي من عاشقٍ عاثر.

في المخيمِ شارعٌ لا يزال على حاله

 شباكٌ يتدلى منه شالٌ تركته عاشقةٌ قبل أن ترحل إلى الجانب الآخر من الكوكب،  

وعاشقٌ مقتول،

عازف بيانو لا يزال يرشو الله بأغنياته، علّه يحبنا أخيراً،

وطفلةٌ تغني “اليرموك اشتقلَك يا خيا”.

اليرموك اشتقلِك يا عمري.

حول أحمد عزام

https://www.yarmoukcamp.net/wp-content/uploads/2018/12/favIcon.jpg
خريج علم اجتماع من جامعة دمشق، باحث اجتماعي، وكاتب سيناريو , لديه العديد من الدراسات والمقالات المنشورة

شاهد أيضاً

لاجئ المواصفات القياسيّة-إياد حياتلة

أنا اللاجئ المتسلسل، المتكرّر التشرّد والهجرات، المتنوّع أماكن النزوح، المتعدّد الهويّات المتآلفة المتناقضة، خَطوتُ الخطوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *