الموقف من تصفية القضية الفلسطينية وخيار المقاومة- محمد عبد الحكم دياب

الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية على النازية وتخلصوا من شرورها؛ سرعان ما منحوا المشروع الصهيوني العنصري، الذي فاق خطر النازية، فخلال سنتين من وضع الحرب لأوزارها؛ منحوه صك الوجود بقرار الأمم المتحدة الوليدة بتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب، وبدأ إزدواج المعايير يتأكد أثناء تصنيع كيان لا وجود له، فحصل على نصف شرعية من داخل ورش ودهاليز الأجهزة الغربية، وسرعان ما اكتمل النصف الثاني من «شرعية الاغتصاب».. وكان العالم ما زال مترنحا ومرتبكا وهو يلملم أشلاءه ويعيد بناء ما تهدم أثناء الحرب، ويبدو أن الحركة الصهيونية اعتبرتها ظروفا ملائمة لاشعال حرب فلسطين؛ المعروفة في الأدبيات الصهيونية بـ«حرب الاستقلال»!!.
وتلك حرب أدارها جنرال بريطاني مخضرم هو غلوب باشا.. وكانت فلسطين قد وُضِعت تحت الوصاية البريطانية، فسَهُل تسليمها للجماعات والميليشيات اليهودية المسلحة، وأقاموا كيانها على أشلاء وأنقاض كيان موجود وأصيل ينتمي للشام؛ بوزنه الحضاري، ودوره التاريخي، وإمكانياته البشرية، وثرواته المتعددة والمتنوعة، ويمثل قلب أمة حية؛ بحجم قارة؛ تقع بين المحيط والخليج.
وباقي الشرعية وفره انتصار «الحلفاء»، وكان نصفها الأول قد أُستِكمِل بالتشريعات والإجراءات الاستعمارية لأكثر من خمسين سنة؛ كانت ذروتها فترة بين الحربين الأولى والثانية، وجرت تنفيذا لمقررات المؤتمر الصهيوني الأول في 1897، وانتهت بعد نصف قرن بهزيمة الجيوش العربية السبعة في حرب فلسطين، وبعد إعلان الدولة الصهيونية؛ اعترف بها الحلفاء، ومعها بدأ التوسع الصهيوني ولم يتوقف، ووصل حد إنكار الوجود الفلسطيني، وسلِبه كل حق، بما فيه حق الحياة!!.
وتعمل «صفقة القرن» على شرعنة ما لا يُشرعَن، بتغييب فلسطين ككيان أصيل، ويمثل إقصاؤه نكبة أكبر من النكبات التي مرت، وتواطأت فيها قوى غربية مصهينة؛ صار لها رديف عربي وإسلامي، ينكر حق الفلسطينيين في دولة مستقلة؟ ويقر بخروج القدس من مشروعات الحل؟ وأُسقاط حق عودة اللاجئين؟، وإبقاء الاستيطان واستمرار بناء المستوطنات؟. فأضحى التفاوض هو والعدم سواء.
وليس مطلوبا من الفلسطيني قبول أو رفض لـ«صفقة القرن» غير المعنية بحقوقه ومستقبله، وكل ما يهمها الطرف الصهيوني فقط. فليتركها وشأنها، ويلجأ لحل معروف لديه، وقادر عليه، وذلك بإحياء خيار المقاومة، والسبب إغلاق نتنياهو وترامب كل الأبواب أمام الحل السياسي، وتقدم صهر ترامب بـ«بحل اقتصادي»، وما دام الحل السياسي غير ممكن تصبح المقاومة «فرض عين»، وطريق ثبتت نجاعته تاريخيا مع المستضعفين. وهناك من يسأل عن البديل المتاح للفلسطينيين ومؤيديهم، رافضي «صفقة القرن»، وهو يعني إما القبول أو الموت؟. وهذا منطق يحكم انتقال المشروع الصهيوني من النمط الاستيطاني إلى الطور الامبراطوري «العقائدي»؛ الذي تسلل لعقول كثيرين مصهينين؛ عرب وغير عرب، وهم لا يقصرون في خدمة الخطط الأمريكية البائسة، وسبق لها أن فشلت في «مؤتمر وارسو»، وهي تبحث عن «تسوية بديلة»، ويكررون الفشل بعقد ورشة بعنوان «السلام من أجل الازدهار» يومي 25 و26 يونيو القادمين؛ في البحرين، كنقلة ذات دلالة، فبعد أن كانت اللقاءات والاجتماعات تلتئم في مدن أمريكية وأوروبية؛ «كامب ديفيد» في الولايات المتحدة، و«مدريد» بأسبانيا أو «أوسلو» بالنرويج وهكذا. وقع اختيار ترامب البحرين بديلا عن السعودية، وحدد البيان الأمريكي البحريني المشترك في 19 مايو 2019 طبيعة الورشة بإتاحة الفرصة «لتبادل الآراء والأفكار من خلال طرح مستفيض لرؤى طموحة وأطر عمل تنفيذية من أجل مستقبل مزدهر للشعب الفلسطيني وللمنطقة(!!)، وتجاهل وزير المال البحريني العلاقة بـ«صفقة القرن»؛ مؤكدا على أهمية علاقة بلده بالولايات المتحدة و«الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين البحرين وبينها؛ بجانب المصالح المتبادلة والقوية لخلق فرص مزدهرة تعم فائدتها المنطقة».
واستقر ترامب على التمويل الخليجي لخطة صهره جاريد كوشنر. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في فبراير الماضي لشمول الخطة استثمار 65 مليار دولار؛ حصة الضفة الغربية وقطاع غزة منها نحو 25 مليار دولار على عشر سنوات، والباقي من نصيب مصر والأردن ولبنان، إذا عملوا على إنجاح الخطة. وكررت «نيويورك تايمز» التأكيد؛ نقلا عن دبلوماسيين وأعضاء كونغرس في 19 مايو المنقضي. وأكدت بأن الخطة تشمل استثمار 68 مليار دولار في الاراضي الفلسطينية والأردن ومصر ولبنان(!!). ونشرت صحيفة «هايوم» الصهيونية المقربة من نتنياهو في مايو المنقضي التزام الولايات المتحدة بتقديم 20 بالمئة من المبلغ، والاتحاد الأوروبي 10 بالمئة و70 بالمئة تقدمها دول الخليج.
وصرح رئيس وزراء فلسطين محمد أَشْتِية: «حل الصراع في فلسطين لن يكون إلا بالحل السياسي»، ولفت أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات إلى عدم «استشارة الجانب الفلسطيني من قبل أي طرف» حول «ورشة المنامة». وتقاطع السلطة الفلسطينية إدارة ترامب منذ اعترافه بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية في كانون الأول/ديسمبر 2017، ونقل السفارة الأمريكية إليها في مايو 2018 ..
وأعلن سفير الصين لدى فلسطين أن بلاده وروسيا الاتحادية لن تحضرا مؤتمر البحرين حول الاستثمار في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي.
ولم يكن مستغربا إدلاء رئيس مجلس إدارة صحيفة َ«الأهرام» الأسبق مرسي عطا الله؛ من أنصار التطبيع؛ بدلوه بعمود في 27 مايو 2019 عنوانه: «ليت الأسد وعرفات اقتديا برؤية السادات!»؛ مسترسلا: «وظني أننا بحاجة إلى العقل واليقظة في المرحلة المقبلة بدلا من استسهال كلمة (لا) تجاه أي طرح للسلام تحت أي مسمى بعد استيعاب الدروس المستفادة من مسلسل الفرص الضائعة».. معتبرا أن عدم الدخول إلى بيت الطاعة الصهيوني «فرصا ضائعة»، وهو يعلم باستدعاء السيسي لواشنطن؛ لحسم موقفه وتحديد حصة المالية من وراء «صفقة القرن»، وعادة إذا ذكر المال سال لعاب الرئاسة في مصر!!
وذكر الأكاديمي المصري سعيد صادق إن توقيت الزيارة مؤشر على أن الإدارة الأمريكية تتجه إلى إعلان «صفقة القرن»، وتتناول 3 ملفات أخرى؛ الأول.. استكمال الحلف الأمريكي الصهيوعربي، باسم «الناتو العربي»؛ ضد إيران، والثاني.. مكافحة الإرهاب، والثالث.. المصالح المشتركة، وطلب إعادة المعونة الاقتصادية إلى ما كانت عليه.. والسيسي يعرف ترامب؛ يأخذ ولا يعطي؛ وحصل مقابل تأييده للتعديلات الدستورية على مشاركة مصر في تنفيذ «صفقة القرن».
الوجود الصهيوني ليس وجود دولة طبيعية إنما وجود قوة غزو عدوانية؛ فرضت بالحديد والنار لأكثر من سبعين عاما.. ويحتاج الغزو والعدوان إلى التصدي، ورفع وعي المواطن بخطورته، وتحصينه وإعداده لمواجهة غدره المتوقع.. والمطلوب أن يكون الشعار والهدف في الظروف الراهنة دقت ساعة المقاومة المشروعة بكل الصور والأشكال.. وغير ذلك موت لمخلوقات فقدت الرغبة في الحياة، فهل بعد تصفية القضية الفلسطينية يبقى هناك مبرر لوجود العرب، الذين قبلوا أن يسقطوا من أي حساب!!.
المصدر: القدس العربي

شاهد أيضاً

الثورة السودانية تدخل جولتها الثالثة- جلبير الأشقر

أكّد النصر الذي حقّقته، في الخامس من يوليو/تموز، قيادة الثورة السودانية المتمثلة بـ«قوى إعلان الحرية …