الانتخابات وانعكاسها على الوعي الفلسطيني

الانتخابات وانعكاسها على الوعي الفلسطيني
حيّان جابر

طرحت الانتخابات الإسرائيلية والتغيرات الدولية العديدة مجموعة من الأسئلة المشروعة حول مستقبل القضية والحقوق الفلسطينية، لأننا في خضم مرحلة عالمية تتسم بالوضوح الذي يصل حد الوقاحة، متمثلة بتوجهات الرئيس الأميركي ترامب ونظيره الروسي بوتين، وطبعا برئيس حكومة الاحتلال نتنياهو. وعليه لن يصعب علينا التأكد من استمرار الاحتلال وداعميه الدوليين في محاولاتهم الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية غير مبالين بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، أو بأي من الحقائق التاريخية والسياسية التي تثبت أحقية الفلسطينيين وتفضح إجرام الاحتلال غير المحدود. الأمر الذي يجب أن يدفعنا نحو مراجعة أخطائنا وتصحيح مسارنا كي نستمد منه قوة المواجهة ويقين الانتصار مستقبلا.

فقد ثبت عمليا فشل حل الدولتين، بحكم جدار الفصل العنصري، ونمو وتضخم المستوطنات، واستمرار التهامها أراضي الدولة الفلسطينية المزعومة، واحتجاز وتدمير الاقتصاد الفلسطيني، وتقويض مظاهر السيادة الفلسطينية، وتحويل السلطة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية إلى خط الدفاع الأول عن الاحتلال ومؤسساته. كما فشل سياسيا وفق التوجهات الأميركية والروسية التي تدعم انتهاكات الاحتلال وتجعل منه أمرا واقعا لا مفر منه، عبر الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة له، وبشرعية سيطرته على الجولان السوري المحتل، ومن خلال التواطؤ مع جميع الغارات والضربات الإسرائيلية داخل فلسطين وسورية ولبنان، وتنفيذ جميع الشروط الإسرائيلية المتعلقة بطبيعة وهوية القوى المسيطرة على مقربة من الحدود المشتركة مع سورية، وتحديد أعداد الأسلحة ونوعيتها فيها، فضلا عن استعادة رفات جنود إسرائيليين قتلوا في سورية أو لبنان أثناء اعتداءاتهم الإجرامية التاريخية، وغيرها من السياسات التي تدعم الاحتلال وإجرامه عموما، وتحصن وتحمي نتنياهو خصوصا، وهو ما أفضى إلى انتصاره الانتخابي أخيرا.

لذا حان الوقت كي نتساءل عن تداعيات الانجرار الفلسطيني خلف سراب حل الدولتين والتعلق بأوهام نتائج الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة، على القضية والشعب والنضال الفلسطيني. إذ أدى تبني حل الدولتين إلى تشويه القضية الفلسطينية وطمس أبعادها الحقيقية محليا وعالميا، وهو ما انعكس سلبا على دور التضامن العالمي وحجمه معها، إلى أن تمكنت حركة المقاطعة العالمية BDS من استعادة نسبية لفاعلية التضامن الشعبي العالمي مع قضية الفلسطينيين العادلة، وإن شابته بعض الخلافات حول طبيعة هذه الحقوق وجذريتها. وهو انعكاس مباشر للتغير الحاصل في التعبير الفلسطيني الرسمي عن جوهر الصراع ودوافعه، من صراع شعب مظلوم ومطرود من أرضه تعرض إلى واحدة من أبشع جرائم التطهير العرقي، إلى صراع حدود، ثقافات، حضارات، وأحيانا ديانات؛ وبالتالي أصبحت جميع الحقوق قابلة للتفاوض والتباحث والتمحيص والقص وحتى الإلغاء، في سبيل تجاوز هذه الخلافات غير الحضارية. كما ساهم هذا الحل المشوه في تفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية، وتقسيمها بعوامل إضافية كان لها أثر أقوى وأفدح من تأثير الانقسام الجغرافي، حيث تخلى البرنامج عن عرب 48 كليا، بل ودفعهم نحو القبول بسيطرة الاحتلال المطلقة والحتمية، والانخراط في مؤسساته والتعامل مع قوانينه وقواعده كأمر واقع وخيار وحيد لا مفر منه. بينما ألقى باللاجئين الفلسطينيين في متاهات غاية في التعقيد السياسي والقانوني والإعلامي، بغرض دفعهم نحو مواجهة مصيرهم منفردين، والحد من مشاركتهم النضالية ولو البسيطة، وتحويل ملف العودة إلى بازار سياسي وربما اقتصادي كبير، فضلاً عن تغذية مئات الانقسامات الاجتماعية بين سكان القدس والقطاع والضفة، وبين العائدين حديثا واللاجئين داخل فلسطين والصامدين في مدنهم وبلداتهم الأصلية، وصولا إلى نزاع سياسي غير وطني ولا إنساني بين القوى السياسية، وخصوصا فتح وحماس، يؤخذ كمبرر لأبشع وأقذر الممارسات المدانة من كلا الطرفين غالبا والأحادية أحياناً.

لكن وللأسف لم تحُل كل هذه الكوارث الناجمة عن تبني القيادة الفلسطينية لحل الدولتين والسير في طريقه الوعرة، دون استمرار تعلق البعض في أوهامه، فضلاً عن إصرار آخرين ممن تنطلق مصالحهم الذاتية من فرض هذا الحل المشوه علينا، لذا قد يكون للانتخابات الأخيرة، وللسياسات الأميركية خصوصا، دور بارز في التأكيد على استحالة تحقيق حل الدولتين، واقعيا وسياسيا. وهو ما قد يدفعنا نحو البحث عن برنامج سياسي يطرح الصراع بصورته الحقيقية والكاملة، ويعمل على استعادة جميع حقوقنا المستلبة، عبر جميع الوسائل المتاحة والضرورية وفق الظرف والحاجة والإمكانيات الموضوعية، وبسواعد جميع الفلسطينيين داخلها وخارجها، في الأراضي المحتلة عام 48 و67، وفي القدس والضفة وغزة ويافا وصولا إلى جميع المدن والبلدات الفلسطينية، وبدعم ومؤازرة جميع الأحرار والمناضلين العرب وغير العرب، داخل فلسطين وخارجها بغض النظر عن دياناتهم وأعراقهم، من أجل إقامة الدولة الفلسطينية الواحدة على مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ النكبة، وتشييد نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الذي يكفل حقوق جميع أبنائها، ويساوي بينهم في الحقوق والواجبات دون أي تمييز لأي سبب كان، ويصون الحقوق الثقافية لجميع مكونات الدولة القادمة لا محالة.

فبذلك تكون الانتخابات الإسرائيلية والظروف الدولية البائسة قد ساهمت في تسريع عجلة استيقاظ الوعي والنقاش الفلسطيني بعد سبات طويل كان للقيادة والفصائل والقوى السياسية الفلسطينية والعربية دور مهم ببقائه حتى اللحظة، جاعلين من جميع المبادرات الوطنية الصادقة والمخلصة والواضحة بمثابة العدو الذي يجب القضاء عليه قبل نموه واستفحاله، وهو ما يفسر حملات الهجوم والتنكيل بجميع الأصوات الوطنية الداعية إلى مراجعة البرنامج الوطني وإعادة إحياء خيار الدولة الفلسطينية الواحدة الديمقراطية والعلمانية على أنقاض المؤسسات الصهيونية الإجرامية، أو لنظرائه من البرامج الرامية إلى طي صفحة البرنامج المرحلي وحل الدولتين لصالح العودة إلى خيار الدولة الواحدة وفق وجهات نظر متباينة حول طبيعة الصراع مع الحركة الصهيونية وداعميها الإقليميين والدوليين، وشكل الدولة المنشودة وأسسها القانونية والاجتماعية. وعليه قد يساهم هذا الحضيض السياسي الذي دفعتنا القيادة والقوى الفلسطينية نحوه بكل قوة في بلورة برنامج واستراتيجية تحررية حضارية وإنسانية وموضوعية تفضي إلى استعادتنا جميع حقوقنا المستلبة في مدى ليس بالقريب ولا البعيد.

المصدر صحيفة العربي الجديد

حول Admin

شاهد أيضاً

الثورة السودانية تدخل جولتها الثالثة- جلبير الأشقر

أكّد النصر الذي حقّقته، في الخامس من يوليو/تموز، قيادة الثورة السودانية المتمثلة بـ«قوى إعلان الحرية …